فخر الدين الرازي

195

تفسير الرازي

ومخالطة ، والجمع : المعاشر . وقوله : * ( رسل منكم ) * اختلفوا هل كان من الجن رسول أم لا ؟ فقال الضحاك : أرسل من الجن رسل كالإنس وتلا هذه الآية وتلا قوله : * ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) * ( فاطر : 24 ) ويمكن أن يحتج الضحاك بوجه آخر وهو قوله تعالى : * ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ) * ( الأنعام : 9 ) قال المفسرون : السبب فيه أن استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك ، فوجب في حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذا الاستئناس . إذا ثبت هذا المعنى ، فهذا السبب حاصل في الجن ، فوجب أن يكون رسول الجن من الجن . والقول الثاني : وهو قول الأكثرين : أنه ما كان من الجن رسول البتة ، وإنما كان الرسل من الأنس . وما رأيت في تقرير هذا القول حجة إلا ادعاء الإجماع ، وهو بعيد لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف ، ويمكن أن يستدل فيه بقوله تعالى : * ( إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) * ( آل عمران : 33 ) وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة ، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط ، فأما تمسك الضحاك بظاهر هذه الآية ، فالكلام عليه من وجوه : الأول : أنه تعالى قال : * ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ) * فهذا يقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضاً من أبعاض هذا المجموع ، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسل بعضاً من أبعاض ذلك المجموع ، فكان هذا القدر كافياً في حمل اللفظ على ظاهره ، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن . الثاني : لا يبعد أن يقال : إن الرسل كانوا من الأنس إلا أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل ويأتوا قومهم من الجن ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل وينذرونهم به ، كما قال تعالى : * ( وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن ) * ( الأحقاف : 29 ) فأولئك الجن كانوا رسل الرسل ، فكانوا رسلاً لله تعالى ، والدليل عليه : أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه . فقال : * ( إذ أرسلنا إليهم اثنين ) * ( يس : 14 ) وتحقيق القول فيه أنه تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة ، بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين ، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق ، فقد حصل ما هو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة ، فكان المقصود حاصلاً . الوجه الثالث : في الجواب قال الواحدي : قوله تعالى : * ( رسل منكم ) * أراد من أحدكم وهو الأنس وهو كقوله : * ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) * ( الرحمن : 22 ) أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب . واعلم أن الوجهين الأولين لا حاجة معهما إلى ترك الظاهر . أما هذا الثالث فإنه يوجب ترك الظاهر ، ولا يجوز المصير إليه إلا بالدليل المنفصل .